محمد غازي عرابي
903
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الناس فريقان ، فريقا أضل اللّه وهؤلاء المحجوبون ، وحجابهم نار تطلع على الأفئدة ، هي عليهم مؤصدة في عمد ممددة ، وفريقا هدى اللّه ، وهؤلاء تاب اللّه عليهم ليتوبوا ، فلما تابوا خروا ساجدين حذر الآخرة ، وابتغاء رحمة اللّه الممثلة في نور الهدى الذي يشعشع في القلب حتى ينقلب بصيرة مجلوة ، فإذا انجلت ظهرت فيها أسرار العلوم فتعلمت ، وصار العقل لبا ، وصار صاحبه راشدا . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 10 إلى 11 ] قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 10 ) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 ) [ الزمر : 10 ، 11 ] حسنة الدنيا الاستمتاع بزينة المعقولات ، فصاحب الخلال الحميدة مزدان بها ، مزين ينظر الناس إليه معجبين موقرين ، وهذا فضل من اللّه وإحسان . وقوله : وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ موجه إلى الذين شق إيمانهم عليهم بسبب عدوان الناس عليهم كما حدث للنبي ، والصحابة والمسلمين أول الدعوة ، ولما كانت الأرض كلها للّه ففي وسع من ضاقت به أرض أن يهاجر إلى أخرى ، ولقد هاجر المسلمون الأوائل إلى الحبشة فأكرمهم النجاشي وحماهم . وهذا على مستوى الظاهر ، أما على صعيد الباطن ففي التحلي بالأسماء سعة ، ولقد أبيحت التقية في الإسلام حذر العدوان والموت ، كما أن أرض اللّه الواسعة تسع كل الأسماء بما في ذلك أسماء الضار والمنتقم والمذل والخافض ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( الحرب خدعة ) . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 12 إلى 15 ] وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ( 12 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 13 ) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 15 ) [ الزمر : 12 ، 15 ] لقوله سبحانه في نبيه ، وعلى لسانه أنه أول المسلمين رقيقة . . ذلك أنه جاء على لسان نوح وآدم من قبله وغيرهما من الأنبياء أنهم كانوا مسلمين ، فكيف يكون النبي محمد الذي تأخر في الظهور أول المسلمين ؟ في عودة إلى الحديث عن النور الأول ، والعقل الأول ، وما قال سبحانه في العقل ، وما قاله جابر : إن اللّه خلق نور النبي من ذاته ، وخلق العالم بأسره من روح محمد ، وهو الظاهر في الخلق باسم الظاهر . . يكون نور النبي هو أول المسلمين حقا ، ففي عملية الانتشار والتكثر واتجاه العقل من نور الأنوار إلى الأنوار المضافة ، وكونه هو واسطة الانتقال من الوحدة إلى